فصل: ذكر خلافة الرشيد

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التنبيه والإشراف **


 ذكر أيام ولد العباس خلافة أبي العباس السفاح

وبويع أبو العباس السفاح عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس ابن عبد المطلب وأمه ريطة ابنة عبيد الله بن عبد الله بن عبد المدان بن الديان ابن قطن بن زياد بن الحارث بن مالك بن ربيعة بن كعب بن الحارث بن كعب ابن عمرو بن علة بن جلد بن مالك بن أدد بن زيد بن يشجب بن يعرب بن قحطان وقد كان لقب أولاً بالمهدي ليلة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر سنة 132 بالكوفة‏.‏

وكان مبدأ الدعوة العباسية بالكوفة وخراسان وغيرها من الأمصار في سنة 100 للهجرة وذلك أن أبا هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية كان قدم على سليمان بن عبد الملك سنة 8 فأعجب به وقضى حوائجه وصرفه وضم إليه من سمه في الطريق فلما أحس بذلك غدا إلى محمد بن علي بن عبد الله بن العباس ابن عبد المطلب وهو يومئذ بالحميمة وقيل بكرار من جبال الشراة والبلقاء من أعمال دمشق فأفضى إليه بسرائر الدعوة وعرف بينه وبين الدعاة وأعلمه أن الخلافة صائرة إلى ولده وأن الأمر إلى ابن الحارثية منهم وأمر ببث الدعوة عند تمام المائة سنة للهجرة‏.‏

فلما حضرت محمداً الوفاة أوصى إلى ابنه إبراهيم فكانت الدعوة إليه وسمي الإمام وإليه دعا أبو مسلم بخراسان فلما وقف مروان بن محمد الجعدي على ذلك كتب إلى عامله بدمشق وهو الوليد بن معاوية بن مروان بن الحكم يأمره بتوجيه بعض ثقاته إلى الحميمة أو كرار فيأتيه بإبراهيم الإمام فحمله إلى مروان فحبسه في المحرم من هذه السنة وهي سنة 132 فقتل في محبسه بعد شهرين وعهد بالأمر بعده إلى أخيه أبي العباس عبد الله بن محمد وهو ابن الحارثية‏.‏

وتوفي أبو العباس بالأنبار في مدينته التي بناها وسماها الهاشمية يوم الأحد لاثنتي عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة 136 وله ثلاث وثلاثون سنة وكانت خلافته أربع سنين وثمانية أشهر ويوماً وكان طويلاً أبيض أقنى حسن الوجه جعد الشعر له وفرة سديد الرأي ماضي العزيمة كريم الأخلاق متألفاً للرجال سمحاً بالأموال يهون عليه أن يأمر بسفك دماء عالم من أعدائه من غير أن يعاين ذلك قال المسعودي‏:‏ وكان أول من وقع عليه اسم الوزارة في دولة بني العباس أبو سلمة حفص بن سليمان الخلال مولى السبيع من همذان وزر لأبي العباس السفاح وكان يقال له وزير آل محمد وفيه يقول بعض الشعراء إن المساءة قد تسر وربما كان السرور بما كرهت جديرا إن الوزير وزير آل محمدٍ أودى فمن يشتاك كان وزيرا وقد أتينا على أخباره وسبب قتله في كتاب مروج الذهب ومعادن الجوهر وهو أول وزير وزر لبني العباس وأبوه حي وكانت ملوك بني أمية تنكر أن تخاطب كاتباً لها بالوزارة وتقول الوزير بدمشق من الوزارة والخليفة أجل من أن يحتاج إلى الموازرة وكانت العرب تسمي وزير الملك من ملوك اليمن والشأم والحيرة الراهن والزعيم والكافي والكامل تريد بذلك أنه مرتهن بالتدبير زعيم بصواب الرأي كاف للملك مهمات الأمور كامل الفضائل وكانت العجم تسمي وزير الملك من ملوكها حامل الثقل ووساد العضد ورئيس الكفاة ومدبر الأمور العظام إذ بهم نظام الأمور وجمال الملك وبهاء السلطان وهم الألسن الناطقة عن الملوك وخزان أموالهم وأمناؤهم على رعيتهم وبلادهم وأعظم الناس غناء عن الملوك والرعية وأولاهم بالحياء والكرامة وكذلك كان اليونانيون والروم يسمون وزير الملك الذي يدور عليه أمره ويرجع إلى رأيه وتدبيره فلما جاء الله بالإسلام ونزل القرآن فيما قص الله من خبر نبيه موسى عليه السلام في قوله ‏"‏ واجعل لي وزيراً من أهلي هرون أخي أشدد به أزري وأشركه في أمري ‏"‏ استخارت بنو العباس تسمية الكاتب وزيراً فلم يكن الخلفاء والملوك تستوزر إلا الكامل من كتابها والأمين العفيف من خاصتها والناصح الصدوق من رجالها ومن تأمنه على أسرارها وأموالها وتثق بحزمه وفضل رأيه وصحة تدبيره في أمورها واستوزر أبو العباس بعد أبي سلمة أبا العباس خالد بن برمك وكان نقش خاتمه الله ثقة عبد الله وبه يؤمن وقاضيه ابن أبي ليلى الأنصاري ثم الأوسي ويحيى بن سعيد الأنصاري وحاجبه أبو غسان صالح بن الهيثم مولاه

 ذكر خلافة أبي جعفر المنصور

وبويع أبو جعفر المنصور عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس وأمه سلامة ابنة بشير مولدة البصرة وقيل بربرية - في اليوم الذي توفي فيه السفاح وقتل أبا مسلم القائم بدولتهم والمنتقم لهم من عدوهم برومية المدائن في شعبان سنة 137 وكان ظهور محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب بالمدينة لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة سنة 145 وبايعه خلق كثير من الحاضرة والبادية وتسمى بالمهدي فوجه إليه المنصور عيسى بن موسى في أربعة آلاف فالتقوا بظاهر المدينة فقتل محمد في عدة ممن كان معه وذلك في شهر رمضان من هذه السنة‏.‏

وكان ظهور أخيه إبراهيم بالبصرة مستهل شهر رمضان فغلب عليها وعلى الأهواز وواسط وكسكر وعظمت جموعه وسار يريد الكوفة فوجه المنصور عيسى بن موسى في العساكر فالتقوا بباخمري على ستة عشر فرسخاً من الكوفة يوم الاثنين لأربع بقين من ذي القعدة من هذه السنة أيضاً فقتل إبراهيم في جمع كثيف ممن كان معه وانهزم الباقون وبعقب قتل محمد وإبراهيم لقب بالمنصور وكانت وفاة المنصور ببئر ميمون على أميال من مكة يوم السبت لست ليال خلون من ذي الحجة سنة 158 وله ثلاث وستون سنة ودفن بالحرم وكانت خلافته إحدى وعشرين سنة وأحد عشر شهراً وعشرين يوماً وكان طويلاً أسمر نحيفاً خفيف العارضين يخضب بالسواد محنك السن حازم الرأي قد عركته الدهور وحلت الأيام سطوته وروى العلم وعرف الحلال والحرام لا يدخله فتور عند حادثة ولا تعرض له ونية عند مخوفة يجود بالأموال حتى يقال هو أسمح الناس ويمنع في الأوقات حتى يقال هو أبخل الناس ويسوس سياسة الملوك ويثب وثوب الأسد العادي لا يبالي أن يحرس ملكه بهلاك غيره وخلف من الأموال ما لم يجتمع مثله لخليفة قبله ولا بعده وهو تسعمائة ألف ألف وستون ألف ألف ففرق المهدي جميع ذلك حين أفضى الأمر إلهي واستوزر خالد بن برمك مديدة ثم غلب عليه أبو أيوب المورياني الخوزي فاستوزره وقد أتينا بخبر مقتله وخبر من طرأ بعده من الوزراء فيما سلف من كتبنا ثم استوزر مولاه الربيع وكتب له وكان نقش خاتمه الله ثقة عبد الله وبه يؤمن وعلى قضائه يحيى ابن سعيد الأنصاري وأبان بن صدقة وعثمان بن عمرو البتي وعبد الله بن محمد بن صفوان وحاجبه عيسى بن روضة وأبو الخطيب مرزوق مولاه والربيع مولاه قبل أن يستوزره ذكر خلاف المهدي محمد بن عبد الله المنصور وبويع المهدي محمد بن عبد الله المنصور ويكنى أبا عبد الله وأمه أم موسى ابنة منصور بن عبد الله بن شهر الحميري ثم الرعيني في الوقت الذي توفي فيه المنصور وتوفي بالرذ والراق من أرض ماسبذان من الجبال لسبع بقين من المحرم سنة 169 وله اثنتان وأربعون سنة أسمر طوالاً بعينه اليمنى نكتة بياض كريماً حبيباً بذولاً للأموال حسن العفو كريم الظفر لا يدخله غفلة عند مخوفة ولا يتكل في الأمور على غير ثقة وصولاً لأرحامه براً بأهله فيه لين جانب كثير الولاية والعزل لغير سبب واستوزر أبا عبيد الله معاوية بن عبيد الله الأشعري الطبراني من مدينة طبرية من بلاد الأردن من أرض الشأم ثم يعقوب بن داود مولى بني سيم ثم أبا صالح الفيض‏.‏

وكان نقش خاتمه الله ثقة محمد وبه يؤمن وعلى قضائه عافية بن يزيد الأزدي وابن علاثة

 ذكر خلافة موسى الهادي بن محمد المهدي

وبويع موسى الهادي بن محمد المهدي يكنى أبا جعفر وأمه أم ولد يقال لها الخيزران ابنة عطاء مولدة جرش من أرض اليمن في الوقت الذي توفي فيه المهدي وتوفي بعيساباذ نحو مدينة السلام لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول سنة 170 وله خمس وعشرون سنة وكانت خلافته سنة وشهراً وخمسة وعشرون يوماً وكان طوالاً جسيماً أبيض أفوه بشفته العليا بياض شجاعاً بطلاً أشد الناس بدناً وأجرأه مقدماً في تسرع وجبرية ينسب بهما إلى الهوج وكان كاتبه عبيد الله بن زياد بن أبي ليلى ثم استوزر الربيع مولاه واستكتب عمر بن بزيع وإبراهيم بن ذكوان الحراني قال المسعودي‏:‏ هذا قول الأكثر ممن عني بأخبار حلفاء بني العباس ووررائهم وكتابهم وقد ذكر أبو عبد الله محمد بن داود بن الجراح عم أبي الحسن علي بن عيسى الوزير في كتابه في أخبار الوزراء مما شرحه وزاد فيه أبو العباس أحمد بن عبيد الله بن محمد بن عمار أن موسى الهادي استوزر إبراهيم بن ذكروان الحراني الأعور صاحب طاق الحراني ببغداد من وذكر أبو عبد الله محمد بن عبدوس الجهشياري في كتابه في أخبار الوزراء والكتاب أن الهاد لما قدم مدينة السلام استوزر الربيع مولاه ثم صرفه عن الوزارة وقلدها إبراهيم بن ذكوان الحراني وأقر الربيع على دواوين الأزمة ولم يزل عليها حتى توفي في سنة 169 وله ثمان وخمسون سنة فقلد موسى ديوان الأزمة إبراهيم بن ذكوان وأبو عبد الله محمد بن عبدوس أحد المتأخرين ممن صنف في أخبار الوزراء والكتاب وكذلك المعروف بابن الماشطة الكاتب وأبو بكر محمد بن يحيى الصولي الجليس وعلي بن الفتح المعروف بالمطوق صنف من أخبارهم إلى سنة 320 وكان نقش خاتم الهادي الله ربي وعلى قضائه أبو يوسف صاحب الرأي حنيفة النعمان بن ثابت وهو يعقوب بن إبراهيم بن حبيب من أنمار بن إراش ابن عمرو بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان وعداده في الأنصار ثم في بني عمرو بن عوف من الأوس وسعيد بن عبد الرحمن الجمحي وحاجبه الفضل بن الربيع

 ذكر خلافة الرشيد

وبويع الرشيد هارون بن المهدي ويكنى أبا جعفر وأمه الخيزران أم أخيه الهادي في الوقت الذي توفي فيه الهادي وبايع لابنه محمد بن زبيدة بالعهد بعده ثم لعبد الله المأمون بعد محمد وولاه الري وخراسان وما اتصل بذلك وأخذ عليهما العهود والمواثيق بالوفاء وكتب عليهما بذلك كتابين علقهما في الكعبة ثم بايع لابنه القاسم بولاية العهد بعد المأمون وجعل أمر القاسم للمأمون إذا صار الأمر إليه فإن رأى إقراره أقره وإن رأى خلعه خلعه وتوفي بقرية يقال لها سناباذ من طوس من أرض خراسان يوم السبت لأربع خلون من جمادى الآخرة سنة 193 وهو ابن أربع وأربعين سنة وأربعة أشهر فكانت خلافته ثلاثاً وعشرين سنة وشهرين وستة عشر يوماً‏.‏

وكان تام الخلقة جميلاً طويلاً أبيض مسمناً قد وخطه الشيب له وفرة إذا حج حلقها‏.‏

وكان كامل الأخلاق سمحاً شجاهاً كثير الحج والجهاد وحج في خلافته ثماني حجج وغزا ثماني غزوات وتسلط على الأمور بعد مدة من خلافته فأفسد الصنائع وأحب جمع الأموال واستوزر البرامكة يحيى بن خالد بن برمك وابنيه جعفر والفضل ثم نكبهم في صفر سنة 87 وقتل جعفراً وذلك لسبع عشرة سنة خلت من خلافته‏.‏

ودفع خاتم الخلافة بعد إيقاعه بهم إلى علي بن يقطين وغلب عليه الفضل بن الربيع وإسماعيل بن صبيح إلى أن مات‏.‏

وكان صبيح أبو إسماعيل مولى عتاقة لسالم الأفطس وسالم الأفطس مولى عتاقة لبني أمية وكان نقش خاتمه بالله يثق هارون وقضى له عهده منهم علي بن حرملة وعون بن عبد الله المسعودي وحفص بن غياث وشريك بن عبد الله بن أبي شريك النخعي ومحمد بن سماعة الحنفي وحجبه بشر بن ميمون ثم محمد بن خالد بن برمك ثم الفضل بن الربيع‏.‏

 ذكر خلافة الأمين

وبويع الأمين محمد بن هارون الرشيد ويكنى أبا موسى وأمه زبيدة أم جعفر ابنة جعفر بن أبي جعفر المنصور يوم السبت للنصف من جمادى الآخرة سنة 193 وبايع له المأمون بخراسان وكتب إليه بالطاعة والخضوع وامتثال أمره ونهيه انقيادًا إلى ما تقدم به العهد فعمل الأمين في خلعه والاحتيال لذلك وكتب إليه يأمره بتسليم بعض أعماله إلى من يرسم له فامتنع من ذلك فكتب إليه يأمره بالمصير إليه لمعاونته على تدبير ملكه فاعتل بأمور ذكرها فوجه إليه يسأله تقديم ابنه عليه بولاية العهد ويرغبه في ذلك ويرهبه فأبى وقوّى الفضل بن سهل ذو الرئاستين عزمه على محاربته‏.‏

فلما عادت الرسل إلى الأمين بذلك بايع لابنه موسى ولقبه الناطق بالحق وهو يومئذ صبي صغير وسرح علي بن عيسى بن ماهان في خمسين ألفاً بأعظم ما يكون من القوة والعدد ليجيئه بالمأمون فندب المأمون للقائه طاهر بن الحسين بن مصعب بن زريق بن حمزة الرستمي من ولد رستم بن دستان الشديد وهم موالي خزاعة في الإسلام وإليهم ينتمون فنزل الري وسار علي بن عيسى حتى قرب منهما فالتقيا فاقتتلا قتالاً شديداً فقتل علي بن عيسى وفضت جموعه واحتوى على عسكره وذلك لعشر خلون من شعبان سنة 195 فحينئذ سلم على المأمون بأمرة المؤمنين وسمي طاهر ذا اليمينين وسار طاهر يفتح بلداً بلداً ويكسر من تلقائه الجيوش إلا أن نزل حلوان فلحق به هرثمة بن أعين في جيش كثيف وكتب إليه المأمون أن يخلي بين هرثمة وبين المسير إلى مدينة السلام ويسير هو إليها على طريق الأهواز فسار هرثمة حتى نزل ظاهر الجانب الشرقي من مدينة السلام وسار طاهر فافتتح الأهواز وواسط والمدائن واحتوى على الكوفة والبصرة ونزل بظاهر الجانب الغربي من مدينة السلام وذلك في سنة 196 فحاصرها و غادوهم القتال وراوحوهم وقد كان الحسين بن علي بن عيسى بن ماهان قدم من الرقة قبل وصول طاهر وهرثمة مدينة السلام في جيش كثيف وكان مع عبد الملك بن صالح ابن علي بن عبد الله بن العباس فلما مات عبد الملك سار إلى مدينة السلام لثلاث خلون من رجب من هذه السنة فخلع محمداً ودعا إلى المأمون فأجابه الناس إلى ذلك وسجن محمداً وأمه وولده في مدينة أبي جعفر وطلب منه الجند أرزاقهم فلم يكن عنده ما يعطيهم ومناهم قدوم هرثمة فأخرجوا محمداً بعد حبس يومين وأعادوه إلى حاله وجددوا له البيعة يوم الجمعة لست عشرة ليلة خلت من رجب من هذه السنة وجاءوه بالحسين بن علي فصفح عنه وولاه أمره ودفع إليه خاتمه فغدر وهرب يريد هرثمة فلحق فقتل على فرسخ من بغداد على الطريق النهروان وأتى محمد برأسه ودخل هرثمة الجانب الشرقي وطاهر الجانب الغربي في المحرم سنة 198 وجد طاهر في القتال إلى أن استولى على أكثر الجانب الغربي وحصر محمدا بمدينة أبي جعفر المنصور‏.‏

فراسل الأمين هرثمة خفية في المصير إليه وكان أوثق عنده من طاهر فتأهب هرثمة لذلك وصار في حراقة له إلى بعض المشارع وركب معه الأمين وعلم طاهر بذلك فوجه بعضاً من خاصته فرجموا الحرافة ونجا محمد الأمين سباحة إلى الشط وصار في يد بعض أصحاب طاهر فقبض عليه وعرف ظاهر خبره فوجه من قتله وجاءوه برأسه فأنفذه إلى المأمون إلى خراسان‏.‏

وكان مقتله يوم الأحد لخمس ليال بقين من المحرم من هذه السنة وهي سنة 198 وله ثلاث وثلاثون سنة‏.‏

وكانت خلافته أربع سنين وسبعة أشهر وعشرة أيام وكان حسن الوجه تام القامة أبيض مسمناً صغير العينين بعيد ما بين المنكبين شديداً في بدنه باسطاً يده بالعطاء قبيح السيرة ضعيف الرأي سفاكاً للدماء يركب هواه ويهمل أمره ويتكل في جليلات الخطوب على غيره ويثق بمن لا ينصحه واستوزر الفضل بن الربيع إلى أن استتر الفضل لما تبين من اختلال أمر محمد ووهاء أمره فقام بوزارته من حضر من كتابه كإسماعيل بن صبيح وغاب عليه عدة من الأولياء منهم محمد بن عيسى بن نهيك والسندي بن شاهك وسليمان بن أبي جعفر المنصور‏.‏

وكان نقش خاتمه نعم القادر الله وقيل سائل الله لا يخيب وقضاته محمد بن سماعة ومحمد بن حبيب وإسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة وأبو البختري وهب بن وهب القرشي وحاجبه العباس بن الفضل بن الربيع‏.‏

 ذكر خلافة المأمون

وبويع المأمون عبد الله بن هارون ويكنى أبا جعفر وأمه أم ولد باذغيسية تسمى مراجل - البيعة العامة بعد قتل المخلوع يوم الأحد لخمس ليال بقين من المحرم سنة 198 وبايع للرضا علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين ابن علي بن أبي طالب بالعهد بعده وأزال لبس السواد ولبس بدله الخضرة وأخذ الناس بذلك فاضطرب من بمدينة السلام من الهاشميين وعظم ذلك على أهل بغداد عامة وعلى الهاشميين خاصة لزوال الملك عنهم ومصيره إلى ولد أبي طالب فأخرجوا الحسن بن سهل أخاذي الرئاستين وكان خليفة المأمون على العراق وبايعوا المنصور بن المهدي فلم يتم له أمر وكان مضعفاً فبايعوا أخاه إبراهيم ابن المهدي بالخلافة لخمس خلون من المحرم سنة 202 ودعي له على المنابر بمدينة السلام وغيرها فوجه الجيوش لمحاربة الحسن بن سهل وهو بناحية المدائن فكانت الحروب بينهم سجالاً وسار المأمون عن مرو يريد بغداد ومعه علي بن موسى الرضا وزيره القائم بدولته الفضل بن سهل ذو الرئاستين وقتل الفضل بن سهل غيلة في حمام بسرخس يوم الاثنين لخمس خلون من شعبان من هذه السنة فقتل الرضا في طوس في أول صفر سنة 203 ولما قرب المأمون من بغداد اضطرب على إبراهيم من كان يعتمد على نصرته وقعد عنه أكثر من بايعه من الهاشميين وغيرهم فاستتر لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي الحجة من هذه السنة وقال معاتباً للعباسيين فلا جزيت بنو العباس خيراً على رغمي ولا اغتبطت بري أتوني مهطعين وقد أتاهم بوار الدهر بالخبر الجلي وحل عصائب الأملاك منها فشدت في رقاب بني علي فضجت أن تشد على رءوس تطالبها بميراث النبي وكانت أيامه منذ بويع إلى أن استتر سنة وإحدى عشر شهراً وأياماً ودخل المأمون مدينة السلام يوم السبت لثمان عشرة ليلة خلت من صفر سنة 204 وأمر بإعادة لبس السواد وتخريق الخضرة بعد ثمانية أيام من قدومه ولم يزل إبراهيم مستتراً منتقلاً بمدينة السلام إلى أن ظفر به في استتاره ليلة الأحد لثلاث عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الآخر سنة 210 فعفا عنه المأمون واعتقل مديدة ثم أطلقه ورد عليه نعمته وأعاده إلى رتبته وتوفي المأمون على عين البدندون من أرض الروم مما يلي طرسوس لثلاث عشرة ليلة بقيت من رجب سنة 218 وله تسعة وأربعون سنة ودفن بطرسوس فكانت خلافته عشرين سنة وخمسة أشهر وثمانية عشر يوماً وكان أبيض يعلوه صفرة أجنى طويل اللحية ضيق الجبين كاملاً عالماً جواداً عظيم العفو كريم المقدرة ميمون النقيبة حسن التدبير جليل الصنائع لا تخدعه الأماني ولا تجوز عليه الخدائع علمه بما بعد عنه من ملكه كعلمه بما حضره وربما حرك منه الغضب فعجل بالعقوبة واستوزر الفضل بن سهل ثم أخاه الحسن بن سهل‏.‏

فلما أظهر العجز عن الخدمة لعوارض من العلل ولزم منزله عدل المأمون إلى استكتاب كتاب لعلمه بكتابتهم وجزالتهم وأنه ليس في عصرهم من يوازيهم ولا يدانيهم فاستوزرهم واحداً بعد واحد أولهم أحمد بن أبي خالد الأحول‏.‏

وكان ينوب عن الحسن بن سهل لما تخلف في منزله فلما دعاه المأمون إلى أن يستوزره قال يا أمير المؤمنين اجعل بيني وبين الناس منزلة يرجوني لها صديقي ويخافني بها عدوي فمابعد الغايات إلا الآفات ثم أحمد بن يوسف ثم أبا عباد ثابت بن يحيى وعمرو ابن مسعدة بن صول‏.‏

وكان يجري مجراهم ولا يعده كثير من الناس في الوزراء ثم استوزر بعد هؤلاء محمد بن يزداد بن سويد‏.‏

وتوفي المأمون وهو على وزارته ولم يملا المأمون بعد الفضل بن سهل كتابه أمره لقيامه بالملك واضطلاعه به ولم ير أحمد أنه مفتقر إلى وزير يشركه في تدبيره ولم يكن يسمي بين يديه أحد من كتابه وزيرا ولا يكاتب بذلك فلأجل ذلك ترك كثير من الناس أن يعد من ذكرنا في الوزراء ورأيت من صنف كتاباً في أخبار الوزراء والكتاب كأبي عبد الله محمد بن داود بن الجراح ومحمد ابن يحيى الصولي الجليس ومحمد بن عبدوس الجهشياري والمعروف بابن الماشطة الكاتب منهم من عدهم في الوزراء ومنهم من لم يعدهم للسبب الذي بيننا‏.‏

وحجابه شبيب بن حميد بن قحطبة ثم علي بن صالح صاحب المصلى ثم محمد بن حماد بن دنقش‏.‏

 ذكر خلافة المعتصم

وبويع المعتصم محمد بن هارون الرشيد ويكنى أبا إسحاق وأمه أم ولد تسمى رمادة - في الوقت الذي توفي فيه المأمون‏.‏

وكان قدومه إلى مدينة السلام غرة شهر رمضان سنة 218 وبعث بالأفشين وغيره من الأمراء وقواد العساكر لحرب بابك الخرمي بآذربيجان في سنة 220‏.‏

وكان الفتح قد أسر بابك في شهر رمضان وقيل شوال سنة 222 وحمل إلى سر من رأى فقتل بها في صفر سنة 223‏.‏

فكان من أدركه الإحصاء ممن قتله بابك في اثنتين وعشرين سنة من جيوش المأمون والمعتصم من الأمراء والقواد وغيرهم من سائر طبقات الناس في القول المقلل خمسمائة ألف وقيل أكثر من ذلك وأن الإحصاء لا يحيط به كثرة‏.‏

وكان خروجه في سنة 200 في خلافة المأمون وقيل سنة 201 بجبل البذّين من بلاد آذربيجان قال المسعودي‏:‏ وقد ذكرنا في كتابنا في المقالات في أصول الديانات وفي كتاب سر الحياة مذاهب الخرمية الكوذكية منهم والكوذشاهية وغيرهم ومن منهم بنواحي أصبهان والبرج وكرج أبي دلف والزّزّين ززّ معقل وززّ أبي دلف ورستاق الورسنجان وقسم وكوذشت من أعمال الصيمرة من مهرجان قذق وبلاد السيروان وأربوجان من بلاد ماسبذان وهمذان وماه الكوفة وماه البصرة وآذربيجان وأرمينية وقم وقاشان والري وخراسان وسائر أرض الأعاجم وغيرها وما بينهم من التنازع وما بين الفريقين وبين المحمرة والمزدقية والماهانية وغيرهم من الخلاف وما جرى لنا من المناظرات مع من شاهدنا منهم في هذه المواطن وما ينتظره الجميع في المستقبل من الزمان الآتي من عود الملك فيهم ومن خلع في الإسلام منهم وظهر منهم في عهد الهرمزان الذي قتله عبيد الله بن عمر بن الخطاب عند وفاة أبيه عمر إلى وقتنا هذا وغير ذلك واستقصينا الكلام على هؤلاء وغيرهم من أصحاب الاثنين وجميع من قال بالقدم على تباينهم وسائر من خالف التوحيد وباين ملة الإسلام في كتاب الإبانة في أصول الديانة وكتابنا هذا كتاب خبر لا كتاب بحث ونظر وخرج المعتصم إلى أرض الروم غازياً فافتتح أنقرة ومدينة عمورية في شهر رمضان سنة 23 وكان سخطه على الأفشين خيذر بن كاوس الأشروسني سنة 225 وتوفي المعتصم بسر من رأى الخميس لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول سنة 227 وله ست وأربعون سنة وعشرة اشهر وكانت خلافته ثماني سنين وثمانية أشهر ويومين وكان أصهب أبيض حسن الجسم جميل الوجه مربوعاً مشرباً حمرة عريض الصدر شديد البدن طويل اللحية لم يشب وكان الرجل الذي لا يقاس به الرجال قوة بدن وشدة بأس وشجاعة قلب وكرم أخلاق آثر من استحدث من غلمانه الأتراك على المتقدمين من أوليائه ونصحاء آبائه وكان يسمى الخليفة المثمن لأنه الثامن من خلفاء بني العباس وكان مولده سنة 178 وولي الخلافة سنة 218 وملك ثماني سنين وثمانية أشهر وثمانية أيام وفي قول بعضهم أنه مات عن ثمانية بنين وثماني بنات وخلف في بيت المال ثمانية آلاف ألف دينار وثمانية آلاف ألف درهم وكانت له ثمانية فتوح عظام منها أسر بابك والمازيار بن قارن صاحب جبال طبرستان وقهره المحمرة من الخرمية وكانوا مائتي ألف قد غلبوا على بلاد الماهات والجبال وعظمت شوكتهم واشتد أمرهم وأسره البوارج وهي مراكب الهند‏.‏

وكان فيها منهم عسكر عظيم قد غلبوا على ساحل فارس وعمان وناحية البصرة ثم إخلاؤه الزط عن البطائح وما كانوا غلبوا عليه مما دون البصرة ومما بين البصرة وواسط وقطعهم السبيل وسفكهم الدماء‏.‏

وكانوا خلقاً عظيماً كثيراً ناقلة عن ناحية الهند لغلاء وقع هناك فتنقلوا في بلاد كرمان وفارس وكور الأهواز إلى أن صاروا إلى هذه المواضع فسكنوها وغلبوا عليها وعظم أمرهم واشتد بأسهم فأنزلهم بلاد خانقين وجلولاء من طريق خراسان وبلاد عين زربة من الثغر الشأمي ومذ يومئذ صارت الجواميس بالشأم ولم تكن تعرف هنالك‏.‏

وقيل إن الجواميس بالثغر الشأمي وسواحل الشأم من جواميس كانت لآل المهلب ببلاد البصرة والبطائح والطفوف فلما قتل يزيد بن المهلب نقل يزيد بن عبد الملك بن مروان كثيراً منها إلى هذه النواحي ثم قتله جعفر بن مهرجيش الكردي‏.‏

وكان ذا عدة عظيمة بين الموصل وآذربيجان وأرمينية قد تغلب على البلاد وأخاف السبيل وبسط يده في القتل‏.‏

ثم هزيمة الأفشين لتوفيل ملك الروم ثم فتحه عمورية وأسره ياطس بطريقها وهي أعظم مدنهم بعد القسطنطينية وقد أتينا على شرح هذه الحروب والوقائع في كتابنا في أخبار الزمان ومن أباده الحدثان من الأمم الماضية والأجيال الخالية والممالك الدائرة واستوزر الفضل بن مروان وكان كاتبه قبل الخلافة ثم أحمد بن عمار ابن شاذي الصري وقيل بل كان خاصاً به يتولى عرض الكتب عليه ولم يكن وزيراً واستوزر محمد بن عبد الملك الزيات‏.‏

وكان نقش خاتمه الحمد لله الذي ليس كمثله شيء وهو خالق كل شيء وقضاته جعفر بن عيسى الحسني من ولد الحسن بن أبي الحسن البصري وشعيب ابن سهل ومحمد بن سماعة وقاضي القضاة أحمد بن أبي دؤاد الأيادي‏.‏

وكان يذهب في الفقه مذاهب البصريين وهي طريقة الحسن البصري وعبيد الله بن الحسن العنبري وعثمان البتي والأصم وغيرهم وتخلفه أبو الوليد إبنه وحاجباه محمد بن حماد بن دنقش وبغا الكبير‏.‏

وهو أول خليفة من خلفاء بني العباس انتقل عن مدينة السلام منذ بناها المنصور‏.‏

وكان السبب في ذلك أن أهلها كرهوه وتأذوا بجواره حين كثر عبيده الأتراك وغيرهم من الأعاجم لما كانوا يلقون منهم ومن غلظتهم وربما وثبت العامة على بعضهم فقتلوه لصدمهم إياهم في حال ركضهم فأحب التنحي بهم والانفراد عن مدينة السلام فخرج في آخر سنة 20 إلى ناحية القاطول فنزل قصراً كان للرشيد هناك وهمّ أن يبني في ذلك الموضع مدينة ثم بدا له ولم يزل ينتقل في تلك النواحي حتى وقع اختياره على موضع سامرا وهو في بلاد كورة الطيرهان فابتدأ ببنائها في سنة 221 وسماها سر من رأى وكملت في أسرع مدة وعظمت عمائرها واتصلت أسواقها وقصورها ونقلت إليها الدواوين والعمال وبيوت الأموال وقصدها وقد ذكر أنها قديمة مسماة بهذا الاسم سميت بسام بن نوح وأنها كانت آهلة عظيمة عامرة فلم تزل تتناقص على مر الزمان وكان آخر خرابها في أيام فتنة الأمين والمأمون وأن موضع قصر المعتصم كان ديراً للنصارى وأراضي فابتاعها منهم وسر من رأى آخر المدن العظيمة التي أحدثت في الإسلام وهي سبع ونحن ذاكروها في هذا الموضع لما تقتضيه الحال من ذكرها وحسن موقعها عند جمعها واتصال نظمها‏.‏

فالأولى منها البصرة وكان تمصير عتبة بن غزوان أحد بني مازن بن منصور إخوة سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر البصرة في المحرم ستة 17 للهجرة وبنى مسجدها‏.‏

ومن الناس من يرى أنها مصرت في أحد شهري ربيع سنة 16 وأن عتبة ابن غزوان إنما خرج إليها من المدائن بعد فراغ سعد بن أبي وقاص من حرب الفرس بجلولاء الوقيعة وأن عتبة قدم البصرة وهي يومئذ تدعى أرض الهند فيها أحجار بيض فنزل موضع الخريبة وذهب أبو مخنف لوط بن يحيى الغامدي وأبو الحسن علي بن محمد المدائني والهيثم بن عدي وغيرهم إلى أن نزل عتبة بن غزوان موضع البصرة كان في سنة 14‏.‏

وأن عمر كان أنفذ قال المسعودي‏:‏ ومن ههنا أغفل من ذهب إلى أن البصرة مصرت في هذه السنة‏.‏

والثانية الكوفة تنوزع في تمصير سعد بن أبي وقاص الكوفة فمنهم من قال كان ذلك في سنة 7 أيضاً وإلى هذا ذهب الواقدي في آخرين وذهب آخرون إلى أنها مصرت سنة 15‏.‏

وأن عبد المسيح بن بقيلة الغساني دل سعداً على موضعها وقال أدلك على أرض ارتفعت عن البق وانحدرت عن الفلاة‏.‏

ولا خلاف بينهم جميعاً أن البصرة والكوفة بنيتا بعد فتح المدائن دار مملكة فارس وخروج الملك يزدرجرد بن شهريار بن كسرى ابرويز عنها إلى حلوان ووقعة جلولاء الوقيعة‏.‏

والثالثة فسطاط مصر كان تمصير عمرو بن العاص فسطاط مصر سنة 20 وكان مسيره إليه وحروبه مع أهلها سنة 19 على ما في ذلك من التنازع‏.‏

كذلك ذكر أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري في كتابه في فتوح البلدان وأن اسم الحصن الذي كان قتالهم عليه وهو وسط مدينة الفسطاط واليوم يعرف بقصر الشمع بابليون وقيل أليونة فسماها المسلمون فسطاطاً لأنهم قالوا هذا فسطاط القوم ومجمعهم وذكر عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم المصري في كتابه في فتوح مصر والإسكندرية والمغرب والأندلس وأخبارها أن عمراً أقام محاصراً لهم لسبعة أشهر إلى أن افتتحها وسار إلى الإسكندرية فلما فرغ من فتحها ورأى منازلها وأبنيتها مفروغاً منها همّ أن يسكنها وقال مساكن قد كفيناها فكتب إلى عمر يستأذنه في ذلك فسأل عمر الرسول هل يحول بيني وبين المسلمين ماء قال ‏"‏ نعم يا أمير المؤمنين النيل ‏"‏ فكتب عمر إلى عمرو إني لا أحب أن ينزل المسلمون منزلاً يحول الماء بيني وبينهم في شتاء ولا صيف فتحول عمرو من الإسكندرية إلى الفسطاط‏.‏

قال عبد الرحمن وغيره وإنما سميت الفسطاط لأن عمرو بن العاص لما أراد التوجه إلى الإسكندرية لقتال من بها من الروم أمر بنزع فسطاط فإذا فيه يمام قد فرخ فقال عمرو لقد تحرم بمتحرم فأمر به فأقر كما هو وأوصى به صاحب قصر الشمع فلما قفل المسلمون من الإسكندرية قالوا أين ننزل فقال بعضهم الفسطاط لفسطاط عمرو الذي كان خلفه فنزلوا ووضعوا أيديهم في البناء ولم يزل عمرو قائماً حتى وضعوا قبلة المسجد والرابعة الرملة لما ولي الوليد بن عبد الملك أخاه سليمان جند فلسطين نزل لدّ ثم أحدث مدينة الرملة ومصرها‏.‏

وكان أول ما بنى قصره والدار التي تعرف بدار الصباغين إلى هذا الوقت وأذن للناس فبنوا واحتفر لهم القناة التي تدعى بردة وآباراً كثيرة واختط للمسجد خطة وبناه فولى الأمر قبل استتمامه وبنى قبة في أيامه وأتمه عمر ابن عبد العزيز بعده غير أنه نقص من الخطة وقال أهل الرملة يكتفون بهذا المقدار الذي اقتصرت عليه كذلك ذكر أحمد بن يحيى البلاذري‏.‏

والخامسة واسط العراق كان بناء الحجاج مدينة واسط العراق سنة 83 أو 84 فيما ذكر أحمد بن يحيى وبنى مسجدها وقصرها والقبة الخضراء بها وكانت أرض قصب وبينها وبين البصرة والكوفة والأهواز وبغداد مقدار واحد وهو خمسون فرسخاً

 ذكر خلافة الواثق

وبويع الواثق هارون بن محمد المعتصم ويكنى أبا جعفر وأمه أم ولد تسمى قراطيس - في الوقت الذي توفي فيه المعتصم وهو يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الول سنة 27 وتوفي بسر من رأى يوم الأربعاء لست بقين من ذي الحجة سنة 232 وهو ابن اثنتين وأربعين سنة وكانت خلافته خمس سنين وتسعة أشهر وستة أيام وكان أبيض مشرباً حمرة حسن الجسم عريض الصدر كث اللحية في عينيه نكتة بياض يذهب في كثير من أموره مذاهب المأمون شغل نفسه بمحنة الناس في الدين فأفسد قلوبهم وأوجدهم السبيل إلى الطعن عليه وكان وزيره محمد بن عبد الملك الزيات على ما كان عليه في أيام المعتصم ونقش خاتمه الله ثقة الواثق وقاضيه أحمد بان دؤاد وحاجبه حماد بن دنقش وإيتاخ ووصيف

 ذكر خلافة المتوكل

وبويع المتوكل جعفر بن محمد المعتصم ويكنى أبا الفضل وأمه أم ولد طخارستانية تسمى شجاع - في اليوم الذي توفي فيه الواثق وبايع لبنيه الثلاثة بولاية العهد بعده‏:‏ المنتصر وأبي عبد الله المعتز وإبراهيم المؤيد‏.‏

وجفا الموالي من الأتراك وأطرحهم وحط مراتبهم وعمل على الاستبداد بهم والاستظهار عليهم‏.‏

وضم إلى وزيره عبيد الله بن يحيى بن خاقان نحواً من اثني عشر ألفاً من العرب والصعاليك وغيرهم برسم المعتز وكان في حجره وضاق عليهم المال بشركة هؤلاء معهم فيه وجعل يجيل الآراء في استئصالهم ونال ابنه محمداً بأنواع الذلة والهوان فأجمع على قتله فواطأ وصيفاً وبغا وغيرهم من الموالي على الفتك به فأعدوا لذلك عدة من أصاغر الموالي منهم باغر وغيره فقتلوه بمدينته المسماة الجعفرية من سر من رأى ليلة الأربعاء لثلاث ليال خلون من شوال سنة 247 وله إحدى وأربعون سنة وكان أسمر رقيق البشرة يضرب لونه إلى الصفرة حسن الوجه خفيف العارضين كبير العينين وكان وسيماً مهيباً إلى الغاية رفع المحنة ومنع الجدل في الدين وصفت له الدنيا فنال منها أعظم الحظ على إيثاره الهزل والمضاحك والأمور التي تشين الملوك واستوزر محمد بن عبد الملك الزيات نحواً من أربعين يوماً من خلافته ثم قتله استوزر محمد بن الفضل الجرجرائي ثم استوزر عبيد الله بن يحيى بن خاقان المروزي ووزر أبوه يحيى بن خاقان حي وكان نقش خاتمه جعفر على الله يتوكل وعلى قضائه يحيى بن أكثم وجعفر بن محمد البرجمي وعلى حجابته وصيف وبغا وزرافة

 ذكر خلافة المنتصر محمد

وبويع المنتصر محمد بن جعفر المتوكل ويكنى أبا جعفر وأمه أم ولد رومية تسمى حبشية - صبيحة الليلة التي قتل فيها المتوكل وتوفي بسر من رأى لأربع خلون من شهر ربيع الآخر سنة 248 وله ثمان وعشرون سنة مسموماً فيما قيل وأن الموالي لما علموا سوء نيته فيهم وأنه على التدبير عليهم بادروه بذلك وكان مربوعاً حسن الوجه أسمر مسمناً ذا شهامة ومعرفة وإمساك للمال وحفظ له حتى أنكر الناس عليه البخل وشدة المنع واستوزر أحمد بن الخصيب إلى أن مات وكان نقش خاتمه محمد بالله ينتصر وقاضيه جعفر بن محمد وقيل جعفر بن عبد الواحد الهاشمي وحاجباه وصيف وبغا

 ذكر خلافة المستعين

وبويع المستعين أحمد بن محمد بن محمد المعتصم ويكنى أبا عبد الله وأمه أم ولد يقال لها مخارق - في اليوم الذي توفي فيه المنتصر وغلب على التدبير والأمر والنهي أوتامش ابن أخت بغا الكبير وكاتبه شجاع بن القاسم إلى أن شغب الموالي فقتلوه وكاتبه للنصف من شهر ربيع الأول سنة 249 ولم يزل مقيماً بسر من رأى إلى أن قتل وصيف وبغا باغر التركي أحد المتقدمين في قتل المتوكل فشغب الموالي وتحزبوا فانحدر ومعه وصيف وبغا إلى مدينة السلام لثلاث خلون من المحرم سنة 251 وبايع الأتراك بسر من رأى أبا عبد الله المعتز لحرب من بمدينة السلام فكانت الحروب بينهم سنة إلا أياماً يسيرة والقيم بأمر المستعين محمد بن عبد الله بن طاهر إلى أن خلع المستعين نفسه وسلم الخلافة إلى المعتز لليلتين خلتا من المحرم سنة 252 وقتل بقادسية سر من رأى يوم الأربعاء لثلاث ليال خلون من شوال في هذه السنة وهو ابن خمس وثلاثين سنة فكانت خلافته منذ بويع إلى أن خلع ثلاث سنين وثمانية أشهر وثمانية وعشرين ويوماً ومنذ خلع إلى أن قتل تسعة أشهر‏.‏

وكان مسمناً حسن الوجه أسود اللحية لين الجانب منقاداً لاتباع مهملات الأمور شديد الخوف على نفسه فأداء خوفه وقلة أمنه إلى الهرب عن دار ملكه وقرار عزه وأدبرت الأمور عنه‏.‏

واستوزر أحمد بن الخصيب ثم سخط عليه فكانت الوزارة مرسومة بأوتامش التركي وكاتبه شجاع بن القاسم يدبر الأمور ثم استوزر بعد قتل أوتامش وشجاع أحمد بن صالح بن شيرزاد وكان نقش خاتمه في الفص المعروف بالجبل أحمد بن محمد وقاضيه الحسن بن أبي الشوارب الأموي وحاجباه وصيف وبغا‏.‏

 ذكر خلافة المعتز

وبويع المعتز الزبير بن جعفر المتوكل ويكنى أبا عبد الله وأمه أم ولد رومية تسمى قبيحة - البيعة العامة يوم الخميس لثلاث ليال خلون من المحرم سنة 252 بعد خلع المستعين نفسه‏.‏

وصار إليه وصيف وبغا‏.‏

فردهما إلى مراتبهما ولم يزل يعمل في الحيلة عليهما إلى أن شغب الموالي فقتلوا وصيفاً يوم الجمعة سلخ شوال سنة 253‏.‏

ثم ركب المعتز في بعض الليالي وقد بلغته عن بغا غرة ليوقع به فهرب بغا إلى نواحي الموصل ثم عاد متخفياً في زورق صغير منحدراً في دجلة لتدبير يوقعه على المعتز فعلم فظفر به بجسر سر من رأى وعرف المعتز خبره فأمر بقتله فقتل سلخ ذي القعدة سنة 254 وحمل رأسه إليه فغلب على الأمر وتفرد بالتدبير صالح بن وصيف وكانت نيته للمعتز فاسدة وبلغ صالحاً التدبير عليه فقبض عليه وخلع لثلاث ليال بقين في رجب سنة 255 وقتل بسر من رأى لثلاث خلون من شعبان من هذه السنة وله أربع وعشرون سنة وكانت خلافته منذ خلع المستعين إلى أن خلع هو ثلاث سنين وستة أشهر وأربعة وعشرين يوماً وكان أبيض الوجه أسود الشعر حسن العينين لم ير في الخلفاء مثله جمالاً يؤثر اللذات ويعدم الرأي تدبره أمه قبيحة وغيرها وغلب على أموره وقهر في سلطانه واستوزر جعفر بن محمود الإسكافي ثم عيسى بن وكانت الكتب تخرج باسم صالح بن وصيف‏.‏

كأنه مرسوم بالوزارة لغلبته على الأمر وكان نقش خاتمه المعتز بالله وقاضيه الحسن بن أبي الشوارب الأموي وعلى حجبته صالح بن وصيف وبايكباك

 ذكر خلافة المهتدي محمد بن هارون

وبويع المهتدي محمد بن هارون الواثق ويكنى أبا عبد الله وأمه أو لد رومية تسمى قرب - يوم الأربعاء لثلاث ليال بقين من رجب سنة 255 والغالب على الأمر والقيم بالتدبير صالح بن وصيف إلى أن قدم موسى بن بغا الكبير من الري - وكان هناك عاملاً - منكراً ما جرى على المعتز وكتب إليه المهتدي في الرجوع من حيث أقبل ووجه إليه رسلاً في ذلك فأبى وكانت موافاته سر من رأى في المحرم سنة 256 ولما قرب منها اختفى صالح بن وصيف وأطلق المهتدي لسانه في موسى بن بغا ونسه إلى المعصية لمجيئه بغير إذن إلى أن أخذ كل واحد منها على صاحبه الأيمان والمواثيق بالوفاء والمناصحة وطلب صالحاً طلباً حثيثاً فظفر به وقتل لثمان بقين من صفر من هذه السنة وغلظ أمر مساور بن عبد الحميد الشاري مولى بجيلة ببلاد الموصل وشهر زور والجبال وغيرها من البلاد فتجهز موسى بن بغا للخروج إليه ومعه بايكباك في جيش عظيم فخرجا إليه فلقياه وهزماه وقتلا من أصحابه جمعاً فكتب المهتدي إلى بايكباك بالتفك بموسى وتسلم العسكر فأطلع بايكباك موسى على الكتاب وسار إلى سر من رأى لمواقفة المهتدي على كتابه فلما حصل عنده قبض عليه وشغب أصحابه فرمى إليه برأسه وذلك في رجب من هذه السنة وخرج أبو نصر بن بغا أخو موسى فخرج فعسكر بخارج سر من رأى في جمع من الموالي فوجه إليه المهتدي فأعطاه الأمان فلما صار إليه قتله فتنكر له الموالي وشغبوا عليه فخرج لحربهم في المغاربة والفراعنة والأشروسنية واستنصر بالعامة فهزموه وأسر وبه ضربات مثخنة وقتل بسر من رأى لأربع عشرة ليلة بقيت من رجب سنة 256 وله أربعون سنة وأربعة أشهر وكانت خلافته أحد عشر شهراً وثمانية عشر يوماً وكان مربوعاً حسن الجسم رحب الجبهة أشهل العينين عظيم البطن طويل اللحية أجلح وكان ورعاً كاد أن يكون في بني العباس مثل عمر بن عبد العزيز في بني أمية هدياً وفضلاً وقصداً وديناً فصادف أقواماً لا يجوز عندهم أخلاق الدين ولا يريدون إلا أمر الدنيا فسفكوا دمه وتشتت أمورهم بعده واستوزر في أيامه على قصرها جماعة كل سلم عليه الوزارة منهم جعفر بن محمود الإسكافي ومحمد بن أحمد بن عمار وسليمان بن وهب وكان نقش خاتمه محمد أمير المؤمنين وقاضيه الحسن بنمحمد بن أبي الشوارب وحجابه صالح ابن وصيف ثم موسى بن بغا وعبد الله بن دكين

 ذكر خلافة المعتمد

وبويع المعتمد أحمد بن جعفر المتوكل ويكنى أبا العباس وأمه أم ولد تسمى فتيان - يوم الثلاثاء لأربع عشرة ليلة بقيت من رجب سنة 256 فأهمل أمور رعيته وتشاغل بلهوه ولذاته حتى أشفى الملك على الذهاب فغلب على أمره وتدبير ملكه وسياسة سلطانه أخوه أبو أحمد الموفق طلحة بن جعفر المتوكل ويسمى بالناصر لدين الله وصيره كالمحجور عليه ولا أمر ينفذ له ولا نهي فقام بأمر الملك أحسن قيام وقمع من قرب من الأعداء واستصلح من نأى على كثير ما كان يلقى من اعتراض الموالي وسوء طاعتهم وتشغبهم فلم تزل أمور الموفق جارية على ذلك إلى أن توفي بمدينة السلام في صفر سنة 278 قال المسعودي‏:‏ وكان خروج المعتمد من سر من رأى إلى مدينة السلام يوم السبت لثلاث خلون من جمادى الآخرة سنة 262 في جيوشه للقاء الصفار فاجتاز بها وصار إلى الموضع المعروف باضطربذ بين السيب ودير العاقول من شاطئ دجلة فكانت الواقعة هناك مع يعقوب بن الليث الصفار يوم الأحد لسبع خلون من رجب من هذه السنة فهزم الصفار واستبيحت عساكره وعاد المعتمد إلى سر من رأى في شعبان من هذه السنة وسار الصفار إلى جنديسابور من كور الأهواز فتوفي بها في شوال سنة 265 وكان مقتل علي بن محمد صاحب الزنج المنتمي إلى آل أبي طالب في صفر سنة 270 وكان ظهوره بالموضع المعروف ببر نخل ناحية المفتح من أعمال البصرة للنصف من شوال سنة 254 في خلافة المهتدي وغلب على البصرة وأكثر كور الأهواز وما يلي أرجان من أرض فارس وواسط إلى الموضع المعروف بالنعمانية وجرجرايا من شاطئ دجلة إلى الطفوف ونواحي الكوفة وغير ذلك من النواحي وكانت أيامه مذ نجم إلى أن قتل أربع عشرة سنة وأربعة أشهر وتنوزع في عدة من قتل من أصحاب السلطان وغيرهم من الرجال والنساء والصبيان بالسيف والحرق والغرق والجوع فمنهم من يقول إن ذلك ألف ألف وأكثرهم يرى أن ذلك لا يحيط به الإحصاء ولا يحصره العدد كثرة عظما وأدخل رأسه بغداد بين يدي المعتضد وقد زينت له الطرق وعقدت له القباب ويم الاثنين لأربع ليال بقين من جمادى الآخرة سنة 270 وتوفي المعتمد ببغداد لإحدى عشرة ليلة بقيت من رجب سنة 279 وله خمسون سنة وأشهر وقيل ثمان وأربعون سنة فكان خلافته ثلاثاً وعشرين سنة وثلاثة أيام‏.‏

وكان حسن الجسم كبير العينين طويلاً جسيماً طويل اللحية عظيم الهامة وولي الخلافة على وجل من أوليائه وحذر من مواليه فرد الأمور إليهم حتى قام بالأمر أخوه أبو أحمد الموفق على ما قدمنا واستوزر عبيد الله بن يحيى بن خاقان ثم الحسن بن مخلد بن الجراح ثم سليمان بن وهب ثم الحسن بن مخلد ثانية ثم أبا الصقر إسماعيل بن بلبل ثم الحسن بن مخلد ثانية ثم أبا بكر بن صالح ابن شيرزاد ثم إسماعيل بن بلبل ثانية وكان نقش خاتمه المعتمد على الله يعتمد وقاضيه الحسن بن محمد بن أبي الشوارب ثم أخوه علي بن محمد وحجبته يارجوخ التركي وكيغلغ وحسنج وهو الحسن بن ترتنك وخطارمش وبكتمر

 ذكر خلافة المعتضد

وبويع المعتضد أحمد بن طلحة الموفق ويكنى أبا العباس وأمه أم ولد تسمى حقير - يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من رجب سنة 279 وتوفي بمدينة السلام ليلة الأحد وقيل الثلاثاء لثمان بقين وقيل لست ليال بقين من شهر ربيع الآخر سنة 289 وله سبع وأربعون سنة فكانت خلافته تسع سنين وتسعة أشهر واثنين وعشرين يوماً وكان نحيفاً ربعة من الرجال حسن اللحية خفيف العارضين يخضب بالسواد سريع النهضة عند الحادثة قليل الفتور يتفرد بالأمور ويمضي تدبيره بغير توقف ولي الأمر بضبط وحركة وتجربة وكف من كان يتوثب ويتشغب من الموالي واستوزر بعد القبض على الوزير إسماعيل بن بلبل عبيد الله بن سليمان بن وهب ثم القاسم بن عبيد الله وكان نقش خاتمه الحمد لله الذي ليس كمثله شيء وهو خالق كل شيء وقاضيه أبو إسحاق إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد مولى الجهاضم من الأزد وكان مالكي المذهب ثم يوسف بن يعقوب وهو ابن عم إسماعيل وأبو خازم عبد الحميد بن عبد العزيز الحنيفي البصري على قضاء الشرقية‏.‏

وحاجبه صالح الأمي ثم خفيف السمرقندي‏.‏

ولم يل الخلافة من بني العباس بعد السفاح والمنصور إلى وقتنا هذا من لم يكن أبوه خليفة إلا المستعين والمعتضد وبويع المكتفي علي بن أحمد المعتضد ويكنى أبا محمد وأمه أم ولد يقال لها خاضع وتلقب جيجق في الوقت الذي توفي فيه المعتضد وتوفي بمدينة السلام ليلة الأحد لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي القعدة سنة 295 وله إحدى وثلاثون سنة وستة أشهر وقيل أكثر من ذلك وكانت خلافته ست سنين وتسعة عشر يوماً وكان دقيقاً أسمر اللون أعين قصيراً حسن الشعر واللحية كبيرهما حسن الوجه والبدن أفضى الأمر إليه بعد توطئة أبيه الأمور له فبلي بكثرة الفتوق عليه واضطراب الأطراف‏.‏

وكان ماله جماً جيوشه كثيفة فقام بتلك الأمور مقتفياً فعال أبيه محتذياً طرائقه ولمي كن ممن يوصف بشجاعة ولا جبن وكان نقش خاتمه كنقش خاتم أبيه المعتضد الحمد لله الذي ليس كمثله شيء وهو خالق كل شيء وعلى قضائه يوسف بن يعقوب وابنه محمد بن يوسف وأبو خازم ثم صير مكانه عبد الله بن علي بن أبي الشوارب الأموي وحاجبه خفيف السمرقندي ثم سوسن مولاه ومما كان في أيام المكتفي من الحوادث العظيمة التي يجب ذكرها خروج القرمطي صاحب الشأم المكنى أبا القاسم المنتمي إلى آل أبي طالب وليس منهم في قبائل الكلبيين مما يلي السماوة سنة 289 وسار إلى ناحية الرقة من بلاد مضر فلقيه سبك الديلمي عاملها فاصطلمه القرمطي ومن معه من الجنود وسار إلى نواحي دمشق فلقيه طغج بن جف الفرغاني عامل دمشق وحمص والأردن لهارون بن خمارويه بن أحمد بن طولون صاحب مصر والشأم بالموضع المعروف بوادي القردان والأفاعي من أعمال دمشق سلخ رجب سنة 289 وأول‏.‏

أن معه من القواد‏.‏

لموضع المعروف بالكده‏.‏

من شهر ربيع الأول سنة 290 فهزمه أيضاً قتل خلقاً من أصحابه وحصره بدمشق ثلاثة أشهر وعشرين يوماً يقاتله أشد قتال والحرب بينهما سجال وتقرمط أكثر من حول دمشق من الغوطة وغيرها وعاضدوه فوافت عساكر المصريين وانضم إليه طغج فواقعوه بالموضع المعروف بكناكر وكوكبا على يوم من دمشق غرة رجب من هذه السنة فقتل القرمطي في المعركة وانهزم المصريون بعقب ذلك‏.‏

فبايع القرامطة أخاً له يكنى أبا الحسن وعاودوا حصار دمشق يغادون أهلها القتال ويراوحونهم

وقد أسلمه سلطانهم وخرج منهم ورحل القرمطي عنهم إلى حمص يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة خلت من رجب من هذه السنة‏.‏

فأقام بها ووجه إلى مدينة بعلبك من أعمال دمشق‏.‏

فأباد أهلها فنهض المكتفي حينئذ عن مدينة السلام في عساكره وقدم أبا الأغر خليفة من المبارك ابن خليفة السلمي أمامه فنزل أبو واجتاحت ما بين حمص وحلب وأنطاكية‏.‏

المكتفي وأنهض الجيوش‏.‏

بنواحي البر مما يلي شيزر‏.‏

من المحرم سنة‏.‏

من أصحابه وأسر جمع كثير ووقع بين من بقي منهم تحزب ففارقهم القرمطي مختفياً وعمل بالمصير إلى ناحية الكوفة فظفر به وإلى الدالية من أعمال الرحبة وسقى الفرات ومعه أربعة نفر أو خمسة‏.‏

فقبض عليه وحمل إلى المكتفي بالرقة فأدخل يوم الاثنين لأربع ليال بقين من المحرم من هذه السنة‏.‏

ثم دخل المكتفي مدينة السلام في أحسن زي وأكمل عدة والقرمطي ومن أسر من أصحابه بين يديه يوم الاثنين مستهل شهر ربيع الأول من هذه السنة‏.‏

ودخل بعده محمد بن سليمان في بقية الجنود ومعه جمع من الأسارى من أصحاب القرمطي ممن تتبع بالشأم‏.‏

ثم قتل القرمطي وأصحابه بالدكة التي بنيت لهم في المصلى العتيق ظاهر الجانب الشرقي من مدينة السلام لسبع بقين من شهر ربيع الأول من هذه السنة‏.‏

فكان ذلك من أجل الفتوح وأعمها سروراً بخواص الناس وعوامهم لما أبادوا من الخلق‏.‏

وكان ظهوره بالشأم وما أباد من عساكر الطولونية سبب خروج محمد بن سليمان إلى مصر وفتحه إياها وتشتيت أمر آل طولون وانحلال دولتهم وزوال مدتهم وكان دخوله إياها يوم الخميس مستهل شهر ربيع الأول سنة 292 فكانت مدة دولة بني طولون سبعاً وأربعين سنة وخمسة أشهر وسبعة أيام‏.‏

ثم خرج قرمطي آخر يكنى أبا غانم في جمع من كلب أيضاً بنواحي الشأم في سنة 293‏.‏

وقوي أمره وكثر أتباعه وصار إلى نواحي أذرعات وبصرى من حوران والبثنية من أعمال دمشق‏.‏

وعاث وقتل وسبى وصار إلى مدينة طبرية من بلاد الأردن فدخلها بالسيف وقتل أميرها جعفر بن ناعم وكثيراً من الجند والعوام فجرد السلطان للقائه الحسين بن حمدان التغلبي فلقيه بالموضع المعروف بخندف من أعمال دمشق‏.‏

فجرت بينهما وقعة تكافآ فيها ثم كانت للحسين عليهم فانكشف القرمطي منهزمها في البرية وذلك في شعبان من هذه السنة وفي ذلك يقول بعض بني كلاب‏:‏ لولا حسين يوم وادي خندف وخيله ورجله لم تشتف نفس أمير المؤمنين المكتفي وسار القرمطي إلى هيت فقتل من أهلها وضربها بالنار وارتحل عنها متوجهاً إلى ناحية البر‏.‏

وأنفذ المكتفي عدة قواد لطلبه منهم محمد بن إسحاق بن كنداجيق ومؤنس الخازن المعروف بالفحل وغيرهما فاختلفت كلمة من كان معه من الكلبيين وخافوا الفناء لإحاطة العسكر بهم‏.‏

فقتله بعضهم غيلة ودفن ليلاً وتفرق من كان معه وصار بعض زعماء كلاب ويكنى أبا الذئب برأس القرمطي وكيفه إلى محمد بن إسحاق بن كنداجيق فأنفذه بما معه إلى الحضرة وأظهر الرأس بها يوم الأربعاء لخمس خلون من شوال من هذه السنة‏.‏

وكان خروج ذكرويه بن مهرويه في الكلبيين وغيرهم في هذه السنة أيضاً وهي سنة 293‏.‏

وكان من أهل الموضع المعروف بالصوأر على أربعة أميال من القادسية عرضاً في البر‏.‏

وقيل إنه أبو من قدمنا ذكره من القرامطة الناجمين بالشأم وقيل كان قبل خروج عبدان صاحب دعوة القرامطة بسواد الكوفة وصار إلى مصلى الكوفة في يوم النحر من هذه السنة‏.‏

وعليها إسحاق بن إبراهين وإسحاقبن عمران فقتل من أصحاب السلطان وغيرهم جماعة وأثاب أصحاب السلطان والرعية فكشفوهم واستمد إسحاق ابن عمران السلطان فسار إلى الكوفة رائق المعتضدي ومعه بشر الأفشيني وجنى الصفواني الخادمان فلقوه بالقرب من وتلقى الحاج مرجعهم فكان أول من لقي منهم قافلة الخراسانية وكانت عظيمة بالمنزل المعروف بواقصة فأتى عليهم‏.‏

ثم سار إلى المنزل الثاني من هذا المنزل وهو المنزل المعروف بالعقبة فأوقع بقافلة السلطان وعليها مبارك القمي وأبو العشائر أحمد بن نصر العقيلي وقد كان ولي الثغور الشأمية فقتلهما وسائر من كان معهما من الأولياء والرعية ثم لقي قافلة السلطان الثالثة التي فيها الشمسية في الموضع المعروف بالطليح من الهبير وذلك بين الثعلبية والشقوق في الرمل فأتى على من كان فيها من الأمراء كنفيس المولدي وأحمد بن سيما وغيرهما من القواد والأولياء وسائر أصناف الناس من سائر الأمصار‏.‏

وكان عدة من قتل في هذه القافلة الأخيرة أكثر من خمسين ألفاً دون من قتل قبلها من أهل القوافل‏.‏

وسار وصيف بن صوارتكين الخزري والقاسم بن سيما عن القادسية لطلبه في جيش كثيف من بني شيبان وغيرهم من الأولياء‏.‏

فالتقوا بين الكوفة والبصرة على الماء المعروف باوم يوم الأحد لست ليال بقين من شهر ربيع الأول سنة 294 فاقتتلوا قتالاً شديداً فهزم أصحاب ذكرويه وأخذهم السيف وأسر وبه ضربات فمات من الغد وأدخل إلى مدينة السلام ميتاً قد شد على جمل ومن أسر معه من أصحابه ورؤوس من قتل منهم يوم الاثنين لتسع خلون من شهر ربيع الأول من هذه السنة‏.‏